الشيخ أحمد فريد المزيدي

286

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

قال أبو القاسم الجنيد رضي اللّه عنه : رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلّم في المنام ، فقلت : يا رسول اللّه ما يقول في السماعات التي نحضرها في الليالي ، وربما تبدو منا الحركات فيها ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلّم : « ما من ليلة إلا وأحضر معكم ، ولكن ابدأوا بالقرآن واختموا بالقرآن « 1 » » . ذكر عن الجنيد رضي اللّه عنه أنه قال للجريري في حال ابتداء توبته : إذا أردت سلامة الدين ورعاية التوبة لا تنكر السماع الذي يقيمه الصوفية ، ولا ترى نفسك أهلا له ما دمت شابّا ، وإذا صرت شيخا فلا تؤثم الناس « 2 » . قال الجنيد رحمه اللّه : من تكلّف السماع فتن به ، ومن صادفه استراح به « 3 » . ونقل بعضهم عن الجنيد قدّس سرّه أنه قال : السماع على أهل النفوس حرام ؛ لبقاء نفوسهم ، وعلى أهل القلوب مباح ؛ لوفور علومهم وصفاء قلوبهم ، وعلى أصحابنا واجب ؛ لفناء حظوظهم « 4 » . باب في الكرامات عن الجنيد رحمه اللّه أنه قال : من يتكلم في الكرامات ولا يكون له من ذلك شيء مثله مثل من يمضغ التبن « 5 » .

--> ( 1 ) انظر : روض الرياحين لليافعي ( ص 184 ) . ( 2 ) انظر : كشف المحجوب ( ص 660 ) . ( 3 ) انظر : أمراض القلوب ( ص 73 ) . ( 4 ) قال ابن حجر الهيتمي : ونقل القاضي حسين عن الجنيد أنّه قال : النّاس في السّماع إمّا عوامّ وهو حرام عليهم لبقاء نفوسهم ، وإمّا زهّاد وهو مباح لهم لحصول مجاهدتهم ، وإمّا عارفون وهو مستحبّ لهم لحياة قلوبهم وذكر نحوه أبو طالب المكيّ وصحّحه السّهرورديّ في عوارفه ، والظّاهر أن الجنيد لم يرد التّحريم الاصطلاحيّ وإنّما أراد أنّه لا ينبغي ثمّ نقل عن والده إفتاء نظما حاصله أن نحو الرّقص والدّفّ فيه خلاف وأنّه لم تأت شريعة قطّ بأنّه قربة وأن من قال بحله إنّما جعله مباحا وأنّ من اصطفاه لدينه متعبّدا بحضوره فقد باء بحسرة وخسار ، وأن العارف المشتاق إذا هزّه وجد فهام في سكراته لا يلحقه لوم بل يحمد حاله لطيب ما يلقاه من اللّذّات . انتهى . وانظر : الزواجر ( ص 73 ) ، ورح المعاني ( 21 / 72 ) . ( 5 ) انظر : اللمع ( ص 390 ) .